كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وَرُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: مَنِ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فَقَدْ كَذَبَ، لَعَلَّ النَّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا، هَذِهِ دَعْوَى بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَالْأَصَمِّ- مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ- وَلَكِنْ يَقُولُ: لَا أَعْلَمُ النَّاسَ اخْتَلَفُوا أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ نَقَلَ هَذَا فِي الْمُسَوَّدَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ نَقَلَ الْمَرْوَزِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كَيْفَ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ أَجْمَعُوا إِذَا سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ أَجْمَعُوا فَاتَّهِمْهُمْ، لَوْ قَالَ: إِنِّي لَا أَعْلَمُ خِلَافًا كَانَ (أَحْسَنَ) قَالَ فِي الْمُسَوَّدَةِ: وَكَذَلِكَ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا كَذِبٌ، مَا عَلَّمَهُ أَنَّ النَّاسَ مُجْتَمِعُونَ؟ وَلَكِنْ يَقُولُ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلَافًا فَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِ: إِجْمَاعُ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ أَبُو الْحَارِثِ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ الْإِجْمَاعَ لَعَلَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا، وَحَمَلَ الْقَاضِي إِنْكَارَ أَحْمَدَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى الْوَرَعِ، وَحَمَلَهُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَةَ عَلَى إِجْمَاعِ الْمُخَالِفِينَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ، أَوْ بَعْدَهُمْ، وَبَعْدَ التَّابِعِينَ، أَوْ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنَّمَا أَوَّلُوا كَلَامَهُ الْمَقْرُونَ بِالدَّلِيلِ الَّذِي يَرُدُّ تَأْوِيلَهُمْ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي كَلَامِهِ لَفْظُ الْإِجْمَاعِ كَاسْتِدْلَالِهِ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ مِنْ غَدَاةِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِإِجْمَاعِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَهَذَا إِجْمَاعٌ مُقَيَّدٌ غَيْرُ الْإِجْمَاعِ الْمُطْلَقِ الَّذِي نَفَاهُ.
كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَذْكُرُونَ الْإِجْمَاعَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، وَيَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ الْإِجْمَاعُ الَّذِي اصْطَلَحَ عَلَيْهِ أَهْلُ فَنِّ الْأُصُولِ الَّذِي حَدَثَ بَعْدَهُمْ، وَلِهَذَا ظَنَّ الْقَاضِي أَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ اخْتَلَفَ فِي الِاعْتِدَادِ بِالْإِجْمَاعِ تَارَةً وَإِنْكَارِهِ تَارَةً أُخْرَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
الْإِجْمَاعُ فِي اللُّغَةِ جَمْعُ الْأَمْرِ وَإِحْكَامُهُ وَالْعَزْمُ عَلَيْهِ، يُقَالُ: أَجْمَعُوا الْأَمْرَ وَالرَّأْيَ، وَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ إِذَا أَحْكَمُوهُ وَضَمُّوا مَا انْتَشَرَ وَتَفَرَّقَ مِنْهُ، وَعَزَمُوا عَلَيْهِ عَزْمًا لَا تَرَدُّدَ فِيهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الضَّرُورِيَّاتِ إِلَّا بَعْدَ الرَّوِيَّةِ وَالتَّدْقِيقِ وَالْمُرَادَّةِ فِي الشُّورَى، قَالَ تَعَالَى فِي حِكَايَةٍ عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} [10: 71]، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ إِلَّا الْإِمْضَاءُ وَالتَّنْفِيذُ، وَقَالَ فِي إِخْوَةِ يُوسُفَ: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ} [12: 12]، وَقَالَ حِكَايَةً لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ لِلسَّحَرَةِ: {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ} [20: 64]، وَالْإِجْمَاعُ لِلْأَمْرِ يَكُونُ مِنَ الْوَاحِدِ وَمِنَ الْجَمْعِ.
قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» الْإِجْمَاعُ: إِحْكَامُ النِّيَّةِ وَالْعَزِيمَةِ، أَجْمَعْتُ الرَّأْيَ وَأَزْمَعْتُهُ وَعَزَمْتُ عَلَيْهِ بِمَعْنًى، وَمِنْهُ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَجْمَعَتْ صَدَقَةً وَفِي حَدِيثِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ: «مَا لَمْ أُجْمِعْ مُكْثًا» أَيْ: مَا لَمْ أَعْزِمْ عَلَى الْإِقَامَةِ، وَأَجْمَعَ أَمْرَهُ جَعَلَهُ جَمِيعًا بَعْدَ مَا كَانَ مُتَفَرِّقًا، قَالَ: وَتَفَرُّقُهُ أَنَّهُ جَعَلَ يُدِيرُهُ فَيَقُولُ مَرَّةً: أَفْعَلُ كَذَا، وَمَرَّةً أَفْعَلُ كَذَا، فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى أَمْرٍ مُحْكَمٍ أَجْمَعَهُ أَيْ: جَعَلَهُ جَمِيعًا، قَالَ: وَكَذَلِكَ يُقَالُ: أُجْمِعَتِ النَّهْبُ، وَالنَّهْبُ إِبِلُ الْقَوْمِ أَغَارَ عَلَيْهَا اللُّصُوصُ، وَكَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فِي مَرَاعِيهَا فَجَمَعُوهَا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ لَهُمْ، ثُمَّ طَرَدُوهَا وَسَاقُوهَا، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ قِيلَ: أَجْمَعُوهَا... وَالْإِجْمَاعُ أَنْ تَجْمَعَ الشَّيْءَ الْمُتَفَرِّقِ جَمِيعًا، فَإِذَا جَعَلْتَهُ جَمِيعًا بَقِيَ جَمِيعًا، وَلَمْ يَكَدْ يَتَفَرَّقُ كَالرَّأْيِ الْمَعْزُومِ عَلَيْهِ الْمَمْضِيِّ، وَأَجْمَعَ الْمَطَرُ الْأَرْضَ إِذَا سَالَ رَغَابُهَا وَجِهَادُهَا كُلُّهَا، وَفَلَاةٌ مُجَمَّعَةٌ وَمُجَمِّعَةٌ (بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ) يَجْتَمِعُ فِيهَا الْقَوْمُ، وَلَا يَتَفَرَّقُونَ خَوْفَ الضَّلَالِ وَنَحْوَهُ كَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَجْمَعُهُمُ، انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ.
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا: أَنَّ الْإِجْمَاعَ فِي اللُّغَةِ لَيْسَ هُوَ اتِّفَاقَ النَّاسِ أَوْ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ عَلَى أَمْرٍ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا هُوَ إِحْكَامُ الْأَمْرِ الْمُتَفَرِّقِ وَعَزْمُهُ لِئَلَّا يَتَفَرَّقَ، وَيَكُونُ مِنَ الْوَاحِدِ وَأَكْثَرَ مِنَ الْوَاحِدِ وَلَا يَقْتَضِي أَنْ يَقُومَ بِهِ كُلُّ أَهْلِ الشَّأْنِ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يُبْرِمَهُ مَنْ يَمْتَنِعُ التَّفَرُّقُ بِإِبْرَامِهِمْ لَهُ، فَرُجُوعُ عَمَرَ بِمَنْ كَانَ مَعَهُ عَنِ الْوَبَاءِ كَانَ بِالْإِجْمَاعِ اللُّغَوِيِّ دُونَ الْأُصُولِيِّ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ: «اقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِمَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّالِحُونَ» وَفِي لَفْظٍ: «مَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ» وَمِنْهُ قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ عَمِلَ فِي مَسْأَلَةِ التَّكْبِيرِ بِإِجْمَاعِ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، أَيْ: مَا جَزَمُوا بِهِ وَعَزَمُوهُ بِالْعَمَلِ، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ إِجْمَاعِ الْأُصُولِ الَّذِي مَعْنَاهُ أَنْ يَتَّفِقَ جَمِيعُ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى أَمْرٍ مَا، وَكَانَ الْمُجْتَهِدُونَ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ أُلُوفًا كَثِيرَةً لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ فَلِذَلِكَ أَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ دَعْوَى الْعِلْمِ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي اصْطَلَحَ النَّاسُ عَلَيْهِ فِي زَمَنِهِ، وَكَذَلِكَ أَنْكَرَهُ غَيْرُهُ.
وَمَا زَالَ أَهْلُ الِاسْتِقْلَالِ فِي الْفَهْمِ يَبْحَثُونَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ زُرْتُ الْأُسْتَاذَ الْإِمَامَ فِي الْعِيدِ مُنْذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَلْفَيْتُ عِنْدَهُ أَحْمَدَ فَتْحِي بَاشَا زُغْلُول الْعَالِمَ الْقَانُونِيَّ وَإِذَا هُوَ يَسْأَلُهُ فِي الْإِجْمَاعِ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ، وَأَنْ يُعْلَمَ بِهِ مَعَ عَدَمِ حَصْرِ أَهْلِهِ وَلَا تَعَارُفِهِمْ؟ وَرَأَيْتُ الْأُسْتَاذَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَافَقَهُ عَلَى اسْتِنْكَارِهِ، فَقُلْتُ: إِنَّ الَّذِي أَعْتَقِدُهُ فِي الْإِجْمَاعِ هُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ الْعُلَمَاءُ النَّابِغُونَ الْمَوْثُوقُ بِهِمْ وَيَتَذَاكَرُوا فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا، وَيَكُونُ مَا يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ هُوَ الْمَجْمَعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْعَقِدَ إِجْمَاعٌ آخَرُ مِنْهُمْ، أَوْ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، فَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: هَذَا حَسَنٌ لَوْ كَانَ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْإِجْمَاعَ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِجْمَاعِ أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِمْ بَعْضُهُمْ وَلَا سَبِيلَ إِلَى اجْتِمَاعِ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ، فَيَحْصُلُ الْمُرَادُ بِمَنْ يُمَثِّلُهَا وَهُمْ أُولُو الْأَمْرِ بِمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَّاهُ مِرَارًا وَلابد مِنَ اجْتِمَاعِهِمْ، وَلِلْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ أَنْ يَنْقُضُوا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ مَنْ قَبْلَهُمْ، بَلْ وَمَا أَجْمَعُوا هُمْ عَلَيْهِ إِذَا رَأَوُا الْمَصْلَحَةَ فِي غَيْرِهِ، فَإِنَّ وُجُوبَ طَاعَتِهِمْ لِأَجْلِ الْمُصْلِحَةِ، لَا لِأَجْلِ الْعِصْمَةِ كَمَا قِيلَ فِي الْأُصُولِ، وَالْمَصْلَحَةُ تَظْهَرُ وَتَخْفَى وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ مِنَ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا غَيْرُ مَا حَظَرَهُ السَّلَفُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ الَّذِي كَانُوا يَعْنُونَ بِهِ مَا جَرَى عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، وَكَذَا التَّابِعُونَ مِنْ هَدْيِ الدِّينِ بِغَيْرِ خِلَافٍ يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي رِسَالَتِهِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْإِجْمَاعُ الَّذِي يُعْتَدُّ بِهِ، وَأَرَى أَنَّ أَحْمَدَ كَانَ عَلَى هَذَا، وَمِنَ الْبَدِيهِيِّ أَنَّهُ لَا يُعْقَلُ أَنْ يَتَّفِقَ أَهْلُ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ عَلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ وَلَا يَكُونُ لَهُ أَصْلٌ فِي الدِّينِ، وَأَيْنَ هَذَا مِمَّا يُعْزَى إِلَى الْمُجْتَهِدِينَ بَعْدَهُمْ مِنْ قَوْلٍ أَوْ سُكُوتٍ مِمَّا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فِي خَبَرِ الْقُرُونِ، وَلاسيما إِذَا لَمْ يُوَافِقْهُمْ عَلَيْهِ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ؟.
وَقَدِ احْتَجُّوا عَلَى دَعْوَى عَدَمِ جَوَازِ مُضَادَّةِ الْإِجْمَاعِ لِإِجْمَاعٍ قَبْلَهُ بِحَدِيثِ: لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مَرْفُوعًا، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: لَا تَجْتَمِعُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَجَاءَ الْمَرْفُوعُ بِلَفْظِ: سَأَلْتُ رَبِّي أَلَّا تَجْتَمِعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ وَأَعْطَانِيهَا وَالْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، لَا فِي إِجْمَاعِ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِي لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ وَلَا فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ يَكُونُ عَنِ اجْتِهَادٍ، وَالْمُخْطِئُ فِي اجْتِهَادِهِ لَا يُعَدُّ ضَالًّا وَإِنَّمَا يُعَدُّ عَامِلًا بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ خَطَأُ اجْتِهَادِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَنْ يَجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ وَيُصَلِّي عِدَّةَ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ يَظْهَرُ أَنَّ اجْتِهَادَهُ كَانَ خَطَأً، فَإِنَّ صِلَاتَهُ صَحِيحَةٌ، فَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْعِبَادَةِ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهَا كَمَا تَخْتَلِفُ الْمَصَالِحُ الْقَضَائِيَّةُ وَالسِّيَاسِيَّةُ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الِاجْتِهَادُ الْعَامُّ وَالْإِجْمَاعُ، وَذُكِرَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ أَنَّ مَضَادَّةَ الْإِجْمَاعِ لِإِجْمَاعٍ قَبْلَهُ فِيهِ خِلَافُ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْبَصْرِيِّ الَّذِي يَرَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْأَوَّلَ مُغَيًّا بِوُجُودِ الثَّانِي، وَفِي الْمُسَوَّدَةِ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيِّ قَالَ: يَجُوزُ تَرْكُ مَا ثَبَتَ وَجُوبُهُ بِالْإِجْمَاعِ إِذَا تَغَيَّرَتْ حَالُهُ، مِثْلَ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ فَإِذَا وُجِدَ الْمَاءُ فِيهَا- أَيْ: وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ- خَرَجَ مِنْهَا بَلْ وَجَبَ وَبِهِ قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ، وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَا يُنْتَقَلُ مِنَ الْإِجْمَاعِ إِلَّا بِإِجْمَاعٍ مِثْلِهِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ يَقْتَضِي جَوَازَ مُخَالَفَتِهِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ غَيْرِ الْإِجْمَاعِ، وَيَبْطُلُ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الِاسْتِصْحَابَ تَمَسُّكٌ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي مَدْلُولِ النَّصِّ، فَالْأَقْوَالُ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةٌ. اهـ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: الْقِيَاسُ الْأُصُولِيُّ:
عَرَّفَهُ ابْنُ السُّبْكِيِّ- تَبَعًا لِلْبَاقِلَّانِيِّ- بِأَنَّهُ حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ لِمُسَاوَاتِهِ فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ، وَابْنُ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِلْآمِدِيِّ مُسَاوَاةُ فَرْعٍ الْأَصْلَ فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ، وَفِيهِ خِلَافٌ، فَمَنَعَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مُطْلَقًا، وَابْنُ عَبْدَانَ إِلَّا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ، وَمَنَعَ دَاوُدُ غَيْرَ الْجَلِيِّ مِنْهُ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالرُّخَصِ وَالتَّقْدِيرَاتِ، وَقَوْمٌ فِي الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ، وَقَوْمٌ فِي أُصُولِ الْعِبَادَاتِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَعَلَى الْأَخِيرِ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ، وَأَرْكَانُ الْقِيَاسِ عِنْدَهُمْ أَرْبَعَةٌ:
1- الْأَصْلُ الْمُشَبَّهُ بِهِ، أَيِ: الْمَقِيسُ عَلَيْهِ.
2- حُكْمُ الْأَصْلِ، قَالُوا: وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَثْبُتَ بِغَيْرِ الْقِيَاسِ.
3- الْفَرْعُ الْمُشَبَّهُ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْمَقِيسُ، وَمِنْ شَرْطِهِ وُجُودُ تَمَامِ عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِيهِ.
4- الْعِلَّةُ، قَالُوا: وَهِيَ الْمُعَرِّفُ لِلْحُكْمِ.
أَقُولُ: وَفِيهَا مُعْتَرَكُ الْأَنْظَارِ، فَمِنْهَا مَا هُوَ بَدِيهِيٌّ كَكَوْنِ الْإِسْكَارِ هُوَ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَقْلٌ، وَلَا نَقْلٌّ، كَالْأَقْوَالِ الْمَشْهُورَةِ فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ الرِّبَا: الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ وَالطَّعْمُ، وَقَدِ اكْتَفَى الْحَنَفِيَّةُ فِي الْعِلَّةِ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنَ التَّشْبِيهِ، وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لابد مِنْ عِلَّةٍ مُعَيَّنَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ حَتَّى يَجُوزَ الرَّدُّ وَالْحَمْلُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَلَا يَظْهَرُ حَمْلُ الْأَمْرِ بِرَدِّ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ عَلَى عَرْضِهِ عَلَى مِثْلِ تِلْكَ الْعِلَلِ وَالتَّشْبِيهَاتِ الَّتِي لَا نَصَّ عَلَيْهَا فِي كِتَابٍ وَلَا فِي السُّنَّةِ وَلَا هِيَ مُتَبَادَرَةٌ مِنْهُمَا، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُزِيلُ التَّنَازُعَ، بَلْ رُبَّمَا يَزِيدُهُ، وَإِذَا امْتَنَعَ هَذَا وَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَحْصُورًا فِي طَلَبِ النُّصُوصِ فِي نَفْسِ الشَّيْءِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ قَبْلُ، وَهُوَ مَا يَشْمَلُ رَدَّهُ إِلَى مَقَاصِدِهِمَا أَوْ قَوَاعِدِهِمَا الْعَامَّةِ وَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ عِلَلِ الْأَحْكَامِ فِيهِمَا بِحَيْثُ لَا يَكُونُ لِلتَّنَازُعِ فِيهِ مَجَالٌ.
هَذَا وَالظَّاهِرُ مِنْ تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّينَ لِلِاجْتِهَادِ وَالْمُجْتَهِدِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ عِنْدَهُمُ الْإِحَاطَةُ بِمَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ، بَلْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ كَافِيَةٌ لِمَا يَنْبَغِي الْعِلْمُ بِهِ مِنْهَا، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ عَمَلُ الصَّحَابَةِ وَقُضَاتِهِمْ، فَقَدْ كَانَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ يَسْأَلُونَ عَنِ السُّنَّةِ وَقَضَاءِ النَّبِيِّ مَنْ حَضَرَ وَلَا يَسْتَقْصُونَ فِي الطَّلَبِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا عَمِلُوا بِالرَّأْيِ الَّذِي مَنَاطُهُ الْمَصْلَحَةُ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ وَأَصْحَابُهُ فِي وَاقِعَةِ الْوَبَاءِ قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِمَا عِنْدَهُ فِيهَا مِنَ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، وَلَكِنَّ طَلَبَ النُّصُوصِ مِنَ الْكُتُبِ الْآنَ أَسْهَلُ مِنْ طَلَبِهِ مِنَ النَّاسِ قَبْلَ تَدْوِينِ الْحَدِيثِ.
قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: هَلْ يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْقِيَاسِ قَبْلَ الطَّلَبِ التَّامِّ لِلنُّصُوصِ؟ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَهَا ثَلَاثُ صُوَرٍ:
الْأُولَى: الْحُكْمُ بِهِ قَبْلَ طَلَبِهِ مِنَ النُّصُوصِ الْمَعْرُوفَةِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ بِلَا تَرَدُّدٍ.
الثَّانِيَةُ: الْحُكْمُ بِهِ قَبْلَ الطَّلَبِ مِنْ نُصُوصٍ لَا يَعْرِفُهَا مَعَ رَجَاءِ الْوُجُودِ لَوْ طَلَبَهَا، فَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْحَنَفِيَّةِ تَقْتَضِي جَوَازَهُ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَفُقَهَاءِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَلِهَذَا جَعَلُوا الْقِيَاسَ بِمَنْزِلَةِ التَّيَمُّمِ، وَهُمْ لَا يُجِيزُونَ التَّيَمُّمَ إِلَّا إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُ الْمَاءِ فَكَذَا النَّصُّ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: مَا تَصْنَعُ بِالْقِيَاسِ، وَفِي الْحَدِيثِ مَا يُغْنِيكَ عَنْهُ! وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أُمٌّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَبَيْنَ أَهْلِ الرَّأْيِ، لَكِنْ يَتَفَاوَتُ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي طَلَبِ النُّصُوصِ وَطَلَبِ الْحُكْمِ مِنْهَا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُشْبِهُ جَوَازَ الِاجْتِهَادِ بِحُضُورِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهَا لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ مَعَ أَنَّ قَوْلَ الْحَنَفِيَّةِ هُنَاكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لَكِنْ قَدْ يَقُولُونَ: وُجُودُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ وُجُودِ النَّصِّ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا أَيِسَ مِنَ الظَّفَرِ بِنَصٍّ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُهُ فَهُنَاكَ يَجُوزُ بِلَا تَرَدُّدٍ. اهـ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: بِنَاءُ اجْتِهَادِ أُولِي الْأَمْرِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ:
إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ اجْتِهَادَ أُولِي الْأَمْرِ هُوَ الْأَصْلُ الثَّالِثُ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَأَنَّهُمْ إِذَا أَجْمَعُوا رَأْيَهُمْ وَجَبَ عَلَى أَفْرَادِ الْأُمَّةِ وَعَلَى حُكَّامِهَا الْعَمَلُ بِهِ، فَاعْلَمْ أَنَّ اجْتِهَادَهُمْ خَاصٌّ فِي الْمُخْتَارِ عِنْدَنَا بِالْمُعَامَلَاتِ الْقَضَائِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ، وَالْمَدَنِيَّةِ دُونَ الْعِبَادَاتِ وَالْأَحْكَامِ الشَّخْصِيَّةِ إِذَا لَمْ تُرْفَعْ إِلَى الْقَضَاءِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى عَلَى قَاعِدَةِ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَحِفْظِهَا وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ وَإِزَالَتِهَا، وَيَظُنُّ بَعْضُ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ أَنَّ جَعْلَ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ أَيِ- الْمُطْلَقَةِ- أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ خَاصٌّ بِالْمَالِكِيَّةِ، لَكِنْ قَالَ الْقَرَافِيُّ: إِنَّهَا عِنْدَ التَحْقِيقِ ثَابِتَةٌ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ، وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَيْهَا حَدِيثُ: لَا ضَرَرَ، وَلَا ضِرَارَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالثَّانِي عَنْ عُبَادَةَ، وَعَلَّمَ السُّيُوطِيُّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِالْحُسْنِ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَهَا دَلَائِلُ أُخْرَى أَشَرْنَا إِلَى بَعْضِهَا فِي مُحَاوَرَاتِ الْمُصْلِحِ وَالْمُقَلِّدِ، وَالْأَصْلُ فِيهَا رَفْعُ الْحَرَجِ وَالْعُسْرِ، وَتَقْدِيمُ كُلِّ مَا فِيهِ الْيُسْرُ عَلَى الْأُمَّةِ وَهَذَا ثَابِتٌ فِي الْقُرْآنِ، وَأَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي سِيَاقِ تَفْسِيرِ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِهَا.